الخميس، 28 يونيو 2012

كيف تحولت مصر لدولة ''التسول''؟
بقلم - طارق الكرداوى: جالس على مقهي فى مكان هادئ.. ترتشف قدح القهوة وأنت تتأمل ما حولك بنصف انتباه.. ليقاطعك طفل صغير يبدو عليه الفقر وسوء التغذية ليسألك فى استكانة ''جنيه أجيب حاجة اتعشي''.. قد تعطيه ما طلبه أو تتتم بصوت خفيض ربنا يسهلك أو حتي تتظاهر بعدم الانتباه، ليبتعد الصغير ويكرر محاولته مع آخرين.. الواقع ان هذا المشهد الذي نصدفاه عشرات المرت يوميا، لا يمثل واقع فردي بقدر ما يمثل حال دولة أصبح التسول هو طابعها المميز. فمصر - مثل هذا الطفل تماما - اعتادت منذ زمن بعيد على التجول وسط الدول الغربية لمحاولة الاقتراض والاستدانة أو حتي الحصول على منح وهبات، ولكن بينما يفعلها الطفل فى هدوء واستكانة، يخرج المسؤلين فى رحلات خارجية تتكلف الألاف الجنهيات وسط مواكب وتفخيم. ولكن.. كيف انتشرت وتضخمت ظاهرة التوسل فى شوارع مصر.. وكيف أصبحت الدولة باكملها تعتمد على الاقتراض الخارجي والداخلي بشكل شبه رئيسي، كيف تحولت مصر من أغني دول المنطقة إلى دولة يتقرب العجز فى موازنتها من نسبة 10% من الناتج الكلي، دولة يعيش اكثر من 50% من مواطنيها حت خطر الفقر، فلولا بعض من كرامة لوجدنا 40 مليون مصري يتسولون فى شوارع القاهرة. تشير الموازنة العامة للدولة فى العام المالي الجديد، والمقرر ان يناقشها مجلس الشعب خلال الأسبوع القادم، إلى أن الانفاق العام يبلغ 538 مليار جنيه، فيما تصل الايرادات إلى 392 مليار جنيه، إلى ان العجز النقدي يصل إلى 145 مليار جنيه. الواقع ان الحل الواقعي لأي دولة واجه عجز فى الموازنة يتمثل فى الاقترض - سواء داخلي او خارجي - ويكفي أن نعلم ان دول العالم جميعا تقترض وعليها ديون سواء خارجية او داخلية أو كلاهما، - الاستثناء الوحيد هو سوريا التي تمثل الدولة الحيدة فى العالم التي بلا ديون -، ولكن مصر تختلف عن الجميع بأن الاقتراض يمثل شئ أساسي فى موازنة كل عام. فديون مصر ترتفع بمعدل 13% كل عام، كما أن تكلفة الديون تقتطع نحو ثلث الايرادات العامة للدولة، وهو ما يمثل سبب أصلا فى الاقتراض، ففي موازنة العام الماضي تم اقتطاع نحو ثلث الايرادات لسداد فوائد واقساط القروض الخارجية والداخلية، وبالتالي ظهر عجز واضح فى الموازنة فاضطرت الحكومة هذا العام لسده عن طريق الاقتراض من البنك الدولي وصندوق التنمية الافريقية والسعي للحصول على قروض من السعودية وقطر والامارات وصندوق النقد الدولي، ناهيك عن طرح أذون خزانة بشكل شبه يومي، بطريقة تستنذف السيولة من البنوك المصرية، فالوضع يبدو وكأنه دائرة مغلقة. سبب آخر ادي إلى الدخول فى سياسية التسول، وهو الفساد السياسي والاقتصادي الواضح قبل الثورة، وحتي بعد الثورة، حيث اوضح تقرير سويسري أمس الثلاثاء، أن مصر قد شهدت خروج نحو 800 مليون فرنك سويسري يمثلوا اموال مشبوهة. الامر الثالث يتمثل فى الضبابية الشديدة وعدم الشفايفية، فالكثير من الأرقام والايرادات التي حققها مرافق لدولة غير معلومة بشكل دقيق، إن تم العلان عنها لا يتم توضيح فيما تستغل، فقاة السويس على سبيل المثال تسجل إيراد يومي بنحو 110 مليون جنيه فى المتوسط، أي أكثر من 3 مليار جنيه فى الشهر الواحد، دون توضيح أين تصرف هذه لاموال وهل يتم استغلالها بالشكل الامثل ام لا. ولمن لا يعرف، مصر هي ثالث اكبر دولة عربية تسجل إيرادات، وفقا لتقرير صادر فى عام 2010، بعد السعودية والامارات، ولكن الامر يتمثل فى أن الايرادات تفقد ثلثها لسداد ديون تزداد مع السنوات، ويتم هدر الباقي عن طريق سياسي توزيعية خاطئة على أبواب الانفاق العام، سواء بعدم توضيح حد أقصي للدخل أو بسياسة دعم، تساعد فى الحقيقة الاغنياء اكثر من الفقراء. قد يتفهم علم الاقتصاد الاضطرار إلى الاقتراض كل فترة لسد عجز ما ظهر بناءا عن ظروف استثنائية، ولكنه يرفض فكرة التسول المستمر من الجميع، ويفضل التفكير فى زيادة ايرادات الدولة، مع ترشيد الانفاق وغعادة هيكلة بنود الميزانية بشكل كامل. فى النهاية.. أظن أن كبرباء الدولة من كبرياء مواطنيها، فإذا كانت الدول تسعي للتسول طوال الوقت ومن الجميع، فلماذا نتعجب من زيادة عدد المتسولين فى الشوارع؟

ليست هناك تعليقات: